محمد باقر الملكي الميانجي

166

مناهج البيان في تفسير القرآن

ارتكاب كبيرة من المعاصي ، أو الإصرار على الصغائر ، كلّ هذه توجب سلب روح الإيمان منه إلى أن يتوب ، فإنّ الزاني لا يزني وهو مؤمن . وكذلك السارق لا يسرق وهو مؤمن ؛ لحصول الحجاب بينه وبين اللّه سبحانه ، وتحقّق الإدبار . فليس في ظرف الارتكاب خاضعا وقانتا ، وقد فقد روح اليقين ونور الهدى إلى أن يفاض عليه بعد التوبة . ومرادنا من نور الهدى وروح اليقين هو معرفة الربّ بالربّ ، أي بتعريفه تعالى نفسه على عبده على حسب مراتب المعرفة شدّة وضعفا . وعند ارتكاب المعصية يسلب عنه حال الحضور بين يدي اللّه - جلّ جلاله - فهو من الغافلين ، وممّن هتك حرمات اللّه ، واستهان بعظم شأنه فلا بدّ من أن يطرد ويهان ويحتجب . فهذه سنّة اللّه العادلة الحقّة ، وقد قضى وحكم أن يطرد المجرمين ، ولا يأذن لهم بالتشرّف بحضوره ، فمن هنا يجب على أولي الألباب ، والّذين يرجون التمكّن في مقام القرب ، والتشرّف في حريم الحضور ، أن يراقبوا جلال اللّه في السّرّ والعلن ، وأن يهابوا كبرياءه خفية وجهرة . فعلى هذا ، الإيمان هو عمل كلّه سواء أكان من الأعمال الجوانحيّة أم من الأعمال الجوارحيّة . ولا فرق في ذلك بين كون الإيمان أمرا بسيطا والأعمال شرطا له ، أو كان الإيمان مركبا من الأعمال القلبيّة والقالبيّة . وإن كان الحقّ والمتناسب هو الثاني ، إذ الإيمان عمل كلّه كما في روايات أئمّة أهل البيت عليهم السلام . فباشتداد العلم والعرفان والبصيرة بوظائف العبوديّة تختلف درجات الإيمان اختلافا بيّنا ، فمنه التامّ البيّن تمامه ، ومنه الناقص البيّن نقصانه . وفي الروايات المباركة أنّ الإسلام يشارك الإيمان ولا يفارقه في كلّ درجة من درجاته ، والإيمان ينفكّ عن الإسلام في المنزل الأوّل من منازله ، وأنّ الإيمان متقوّم بالعمل ، وكلّ الإيمان العمل ، وأنّ الإيمان مبثوث على الجوارح كلّها ، وأنّ العمدة والأصل في تلك الأعمال هو عمل القلب . وممّا ذكرنا يظهر وهن ما قيل من أنّ الفرق بين الإيمان والإسلام هي الولاية ، ولاية الذريّة الطاهرة ، الأمّة المسلمة الفاضلة ، الأئمّة من آل الرسول عليهم السلام ،